الغزالي
64
إحياء علوم الدين
ولا يسمع أصواتهم ، لشدة استغراقه . وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء ، فلا يستحيل ذلك فيه . ولكن الأولى بالأكثرين الاستعانة بالعزلة . ولذلك قيل لبعض الحكماء : ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة ؟ فقال : يستدعون بذلك دوام الفكرة ، وتثبت العلوم في قلوبهم ، ليحيوا حياة طيبة ، ويذوقوا حلاوة المعرفة . وقيل لبعض الرهبان : ما أصبرك على الوحدة ! فقال : ما أنا وحدي ، أنا جليس الله تعالى ، إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإذا شئت أن أناجيه صليت . وقيل لبعض الحكماء : إلى أي شيء أفضى بكم الزهد والخلوة ؟ فقال إلى الأنس باللَّه . وقال سفيان بن عيينة : لقيت إبراهيم بن أدهم رحمه الله في بلاد الشام فقلت له يا إبراهيم ، تركت خراسان ، فقال ما تهنأت بالعيش إلا هاهنا ، أفر بديني من شاهق إلى شاهق ، فمن يراني يقول موسوس أو حمال أو ملاح . وقيل لغزوان الرقاشي : هبك لا تضحك ، فما يمنعك من مجالسة إخوانك ؟ قال إني أصيب راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي . وقيل للحسن : يا أبا سعيد ، هاهنا رجل لم نره قط جالسا إلا وحده خلف سارية فقال الحسن : إذا رأيتموه فأخبروني به ، فنظروا إليه ذات يوم ، فقالوا للحسن هذا الرجل الذي أخبرناك به ، وأشاروا إليه . فمضى إليه الحسن وقال له : يا عبد الله ، أراك قد حببت إليك العزلة ، فما يمنعك من مجالسة الناس ؟ فقال أمر شغلني عن الناس . قال فما يمنعك أن تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه ؟ فقال أمر شغلني عن الناس وعن الحسن فقال له الحسن : وما ذاك الشغل يرحمك الله ؟ فقال إني أصبح وأمسى بين نعمة وذنب فرأيت أن أشغل نفسي بشكر الله تعالى على النعمة ، والاستغفار من الذنب . فقال له الحسن : أنت يا عبد الله أفقه عندي من الحسن ، فالزم ما أنت عليه . وقيل بينما أويس القرني جالس ، إذ أتاه هرم بن حيان ، فقال له أويس : ما جاء بك ؟ قال جئت لآنس بك . فقال أويس : ما كنت أرى أن أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره . وقال الفضيل : إذا رأيت الليل مقبلا فرحت به ، وقلت أخلو بربي . وإذا رأيت الصبح أدركني ، استرجعت كراهية لقاء الناس ، وأن يجيئني من يشغلني عن ربي . وقال عبد الله بن زيد . طوبى لمن عاش في الدنيا وعاش في الآخرة . قيل له وكيف ذلك ؟ قال يناجي الله في الدنيا ، ويجاوره في الآخرة .